الأعتياد والتخطي.. للشاعرة. ورود نبيل
الاعتياد والتّخطي: بين التآلف والفقد
الاعتياد حالة غريبة، تشبه الظّلال التي ترافقنا دون أن ننتبه لها.
لا نختارها بوعي، بل نتورّط فيها تدريجيًا، نربط تفاصيل يومنا بشخص، بمكان، بصوت معين، أو حتى بإيماءة صغيرة لا يلاحظها أحد سوانا.
الاعتياد لا يحتاج إلى قرارات كبرى، يكفي تكرار، يكفي وجودٌ مستمر، حتى يتحوّل هذا الوجود إلى شيء يشبه الأمان، أو الحاجة، أو جزءاً من الذّات.
لكنّ المشكلة ليست في الاعتياد بحدّ ذاته، بل في لحظة الانقطاع.
حين ينكسر هذا التّكرار فجأة، حين يغيب ما تعوّدنا عليه، أو من تعوّدنا عليه، هناك، لا نشعر فقط بالفقد، بل بالتّيه، كأنّ أحدهم انتزع منّا جزءًا من الرّوتين الذي كنّا نحتمي به، كأنّ السّاعة تدقّ بلا معنى، والطّرقات لا تقود إلى مكان.
في لحظات الخسارة، نكتشف كم كان الاعتياد عميقًا، كم علّقنا قلوبنا في أماكن لم نظنّ يومًا أنّها مهمة، وهنا يبدأ التّحدي: التّخطي.
التّخطي لا يعني النّسيان، هو ليس محوًا ولا خيانة للماضي، هو اعتراف بالأثر، ثم التّقدّم رغم الألم. التّخطي أن تعترف أنّك تعبت، أنّك فقدت، أنّك لم تعد كما كنت، ومع ذلك، تقرر أن تمضي.
بعض الأيام سيمرّ بثقل، وبعض الذّكريات ستنكأ الجرح مجددًا، ستجلس فجأة في مكان ما، وتبكي دون سبب واضح، ستسمع أغنية وتختنق، سترى شخصًا يشبه من غاب، وتنهار، وهذه ليست هزيمة، بل مراحل من طريق الشّفاء.
الاعتياد يعلّمنا الحب، والتّخطي يعلّمنا القوّة، الاعتياد يمنحنا الألفة، والتّخطي يعلّمنا التّحرر، في كليهما نحن نكسر شيئًا من أنفسنا، ونبني شيئًا آخر.
قد نظلّ نشتاق، نعم، لكنّنا لن نظلّ عالقين؛ فالتّخطي ليس أن نتوقف عن الحب، بل أن نتعلم أن نحبه من بعيد، دون أن نكسر أنفسنا كل مرة نشتاق فيها، أن نتذكّر، دون أن ننهار، أن نواصل الحياة، ونمنح أنفسنا فرصة جديدة، وإن كانت بملامح مختلفة.
في النّهاية، لا شيء يبقى كما هو، لا الوجع ولا الرّاحة، لكن ما يبقى، هو قدرتنا على أن نعيد تعريف أنفسنا بعد كلّ خسارة، أن نحب مجددًا، أن نثق، أن نتنفس، وهذا، في حد ذاته، شجاعة عظيمة.
الكاتبة: ورود نبيل- الأردن
التسميات: خاطرة فصحي

<< الصفحة الرئيسية