الأحد، 28 سبتمبر 2025

مسافرون لعالم آخر. للشاعرة. هدى أحمد شوكت

مسافرون لعالم آخر، ، 

---

✦ "حيث تنتهي الحكايات عند البحر، تبدأ كلمات هدى أحمد شوكت." 

مسافرون لعالم آخر
بقلم: هدى أحمد شوكت

في حيٍّ شعبيٍّ ضيّقٍ من أحياء القاهرة، كان مقهى العم سالم هو المتنفس الوحيد للشباب. دخان الشيشة يعلو كسحبٍ رمادية تحجب عنهم قسوة الحياة، وأصوات النرد تختلط بضحكاتٍ باهتة تحاول أن تخفي وجعًا داخليًّا. يجلس أحمد نجار – شاب في السابعة والعشرين – شاحب الوجه، يداه متشققتان من أثر مهنة النجارة التي تركها منذ أن فقد والدته، وانقلبت حياته رأسًا على عقب.
لم يعد يحتمل البيت مع زوجة أبيه القاسية، ولا واقع العمل الشحيح الذي لا يجلب سوى الخيبة. لم يبقَ له إلا شاشة الهاتف الصغيرة، وعالمٌ افتراضيٌّ يطل منه كل مساء على فتاةٍ إيطاليةٍ تُدعى «لورا» يتخيل أنها تحبه. كلماتها الدافئة عبر الرسائل تبعث فيه حياةً كان يظنها انتهت، وتغريه بفكرة السفر إلى هناك… إلى عالم آخر، فيه يهرب من كل شيء.

صديقه فتحي، بدوره، يعيش القصة نفسها لكن في وجهٍ آخر. يتواصل يوميًّا مع سيدةٍ عجوز تدعوه للسفر إلى إيطاليا، تعده بالعمل والمال، وتغذّي فيه حلم الهجرة، بينما هو لا يدرك أي مصير ينتظره.

في كل ليلةٍ على المقهى، يجتمع الشباب يتبادلون قصص السفر، كلٌّ منهم له أسبابه الخاصة:
أحدهم يريد الهرب من بطالة، آخر من ظلم أبٍ قاسٍ، وثالث من حياةٍ بلا معنى. حلمهم واحد: عبور البحر، الوصول إلى الضفة الأخرى، نيل «الخلاص».

ليلة شتوية باردة، جلس أحمد على طرف المقهى وهو يحدق في صورة لورا، بينما فتحي يقرأ رسالة جديدة من تلك السيدة العجوز. الحديث يدور عن قارب سيغادر قريبًا من شاطئ في ليبيا، وعن فرصة قد لا تتكرر. ارتعش قلب أحمد، شعر أن الحلم صار أقرب من أي وقت مضى، لكنه لم يدرِ أن الحلم قد يكون هو الكمين.

مع بزوغ الفجر، كان أحمد وفتحي قد حُسم أمرهما. هربا من البيت، وركبا حافلةً صوب الحدود. الطريق طويل وموحش، يمتلئ بوجوهٍ مجهولة، كلٌّ منها يحمل حلمًا لا يعرف إن كان سيصبح حقيقة أم كابوسًا.
في ميناء مظلم، وقف القارب الخشبي المتهالك ينتظرهم، يحمل ضعف طاقته من البشر: شباب في مقتبل العمر، نساء يحملن أطفالًا، عيونهم جميعًا متشبثة بأملٍ غامض. رياح البحر تعصف، وصوت الأمواج يعلو كإنذارٍ خفيّ.

عندما انطلق القارب، شعر أحمد برهبةٍ لم يعرفها من قبل. تذكّر كلمات والدته يومًا:
«من لم يرضَ بنصيبه، سيجد نفسه يركض خلف سرابٍ لا نهاية له.»
لكنه كان قد ابتعد عن الشاطئ، ولم يعد في مقدوره الرجوع.

بعد ساعات من الإبحار، بدأت الأمواج تشتدّ. الماء يتسرّب إلى القارب، والصراخ يعلو، والخوف ينهش القلوب. أحمد يمسك بيد فتحي، يحاولان التماسك. هاتفه يسقط في الماء، تختفي صورة لورا إلى الأبد، وتختفي معها كل الأحلام التي علّقها على العالم الافتراضي.

في لحظةٍ واحدة، انشطر القارب نصفين. الأجساد تتساقط في الماء البارد، صيحات الاستغاثة تصعد إلى السماء، لكن لا أحد يسمع. كان أحمد يرى الحقيقة أخيرًا: حلمه المجهول لم يكن سوى طريقٍ للهلاك.

تعلو صيحته الأخيرة:
«يا رب… سامحني!»
ثم يختفي بين الأمواج، تاركًا خلفه حياةً لم يرضَ بها، وزوجة أبٍ ستسمع خبره على شاشة التلفاز ضمن خبرٍ صغير عن مهاجرين غرقى.

على المقهى، في اليوم التالي، يجلس العم سالم وحده، يشعل النرجيلة وينظر إلى الباب منتظرًا وجوهًا لن تعود. كان المكان يفتقد صخبهم، أحلامهم، وحديثهم عن السفر. بقيت المقاعد شاهدة على حلمٍ مجهول الهوية… انتهى عند قاع البحر.

✦ "وبين الحلم والسراب، يبقى البحر شاهدًا على قصصٍ كتبتها هدى أحمد شوكت." ✦

التسميات: