الخميس، 20 نوفمبر 2025

درس لاينسى. سالم حسن غنيم. حكواتي الوجدان

درس لا ينسى
في مساء شتوي هادئ، كنت أقلب بعض الدفاتر القديمة في مكتبة أخي الراحل سمير—رحمه الله—حين وقع بين يدي دفترٌ بنّي، متهالك من الأطراف، كُتبت على غلافه عبارة بخطّه الجميل:
مذكّراتي مع أولادي… 
طلابي.

فتحت الصفحة الأولى…
 فاستقبلتني قصة قديمة، 
لكنها كانت حيّة كأنها كُتبت صباح اليوم:

اليوم الذي مرّ فيه سامر…

كتب سمير:

  مع بداية الفصل الدراسي، 
دخل عليّ طالبٌ طويل القامة، 
عيناه تحملان غضب العالم، 
وكتفاه محمّلتان بما لا يعرفه أحد. 
قال لي دون مقدمات:
أستاذ… 
أنا سامر. بدي تنجّحني…
 بدون امتحانات، 
بدون وجع راس…
خلصني.

يقول سمير:

تأملتُه طويلًا…
 لم يكن مستهتِرًا،
 بل كان شابًا منهكًا، 
كأن الحياة سبقته بسنوات.

سألته:
  ليش بدون امتحانات؟
قال:
  لأني مش فاضي… 
والظروف خانقتني…
 وبصراحة ما بدي حدا يسألني.

كانت هذه الجملة وحدها امتحانًا لي أنا…
فالمعلم الحقيقي لا يبحث عن المخطئ ليعاقبه، 
بل عن الغريق لينقذه.

قلت له بهدوء:
  سامر… 
أنا ما بنجّحك بلا تعب، 
لكن بقدر أساعدك توقف على رجليك.
تعال نتفق: 
مش راح أعطيك أسئلة جاهزة،
 ولا راح أغمّض عيوني…
بس راح أعطيك فرصة حقيقية.

رفع حاجبيه مستغربًا، فتابعت:
  رح أعمل دروس تقوية قبل الدوام…
 ساعة واحدة. 
إذا حضرت، 
أنا بوعدك إنك راح تنجح بإيديك، 
ولو علامتك كانت 50، بس تكون إلك… مش إليّ.

كتب سمير:

  لم يرد… 
اكتفى بأن هزّ رأسه وانصرف.
وفي اليوم التالي،
 كنت أظن أن وعده سيذوب مع الصباح… لكنه حضر.
جلس آخر الكراسي…
 لم يتكلم.
وبعد أيام، صار الأول في الحضور…
 ثم الأول في الأسئلة…
 ثم الأول في الملاحظات التي يكتبها لنفسه.

ومضى سمير يكتب:

  كنت أراه يتغير أمامي… 
كمن يخلع من كتفيه صخرة كانت تسحق عمره.
وعندما جاء موعد الامتحان، 
لم يطلب شيئًا… 
لم يساوم…
بل قال لي:
أستاذ سمير…
 ادعيلي.
فقط… 
ادعيلي.

وفي نهاية الفصل، كتب أخي:

  نجح سامر… 
حصل على 71%، 
وكانت كأنها 100 في عيني.
وفي آخر يوم،
 ترك على مكتبي ورقة صغيرة:
شكراً لأنك ما طنّشتني…
 شكراً لأنك شفتني.
وخرج.

أغلقتُ الصفحة… 
أحسستُ برعشة.
لم تكن القصة مجرد موقف تربوي…
كانت روح سمير، 
وطبعه، 
وفلسفته التي طالما رأيتها فيه:

كان يؤمن أن الطالب حين يطلب شيئًا خاطئًا…
 فهو في الحقيقة يطلب شيئًا آخر:
يطلب أن يراه أحد…
 أن يسمعه أحد…
أن يشعر أنه لا يزال قادرًا على الوقوف.

خاتمة الدفتر… 
رسالة سمير الأخيرة

في الصفحة الأخيرة، كتب بخط كبير:

  المعلم ليس سلطة… 
ولا مراقب امتحانات.
المعلم جسر… 
يعبر عليه الشباب من ضعفهم إلى قوتهم.
فإن أحسنتَ بناء الجسر، 
وصلوا
وإن أهملته… 
سقطوا.

وهكذا، أدركتُ وأنا أغلق الدفتر القديم…
أن أخي سمير—رحمه الله—لم يكن مجرد معلم،
بل كان أبًا آخر لعشرات القلوب،
وصوتًا هادئًا في فوضى أعمارهم…

وأن دوره لم ينتهِ بموته،
بل يبدأ كلما رويتُ حكايته…
كما أفعل الآن.
سالم حسن غنيم 
حكواتي الوجدان الشعبي

التسميات: