مملكة العيون. الشاعر. د. فيصل سعودي
مَمْلَكَةُ الْعُيُونِ
فِي عَيْنَيْكِ مَمْلَكَةٌ لَمْ أَطْلُبِ اللُّجُوءَ إِلَيْهَا،
لَكِنَّهَا احْتَلَّتْنِي بِلَا إِعْلَانِ حَرْبٍ،
وَنَصَّبَتْ نَفْسَهَا حَاكِماً عَلَى كُلِّ قَرَارَاتِي،
حَتَّى قَرَارِي أَنْ أَبْتَعِدَ عَنْكِ
كَانَ يُصَادِقُ عَلَيْهِ مَجْلِسُ عَيْنَيْكِ
قَبْلَ أَنْ أُنَفِّذَهُ.
عَيْنَاكِ لَيْسَتَا عَيْنَيْنِ،
بَلْ سُؤَالَانِ مُعَلَّقَانِ فِي الْفَضَاءِ
لَا يَجِدَانِ إِجَابَةً تَكْفِيهِمَا،
فَكُلَّمَا حَاوَلْتُ أَنْ أُجِيبَ،
اكْتَشَفْتُ أَنَّ السُّؤَالَ تَغَيَّرَ
قَبْلَ أَنْ أُنْهِيَ جَوَابِي.
أَيَّتُهَا الَّتِي تَنْظُرِينَ إِلَيَّ
وَكَأَنَّكِ تَقْرَءِينَ كِتَاباً لَمْ أَكْتُبْهُ بَعْدُ،
كُفِّي عَنْ هَذَا،
فَأَنَا لَا أُحْسِنُ الْكِذْبَ أَمَامَ عَيْنَيْنِ
تَعْرِفَانِ الْحَقِيقَةَ قَبْلَ أَنْ أَنْطِقَ بِهَا.
فِي عَيْنَيْكِ بَحْرٌ لَا أَعْرِفُ عُمْقَهُ،
غُصْتُ فِيهِ مَرَّةً بِسَذَاجَةِ مَنْ لَا يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ،
فَاكْتَشَفْتُ أَنَّنِي لَا أُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْهُ أَبَداً،
وَلَوْ كَانَ الْغَرَقُ فِيهِ هُوَ النِّهَايَةَ الْوَحِيدَةَ الْمُتَاحَةَ.
يَسْأَلُونَنِي: مَاذَا فِي عَيْنَيْهَا؟
فَأَقُولُ: كُلُّ مَا كَتَبَهُ الشُّعَرَاءُ عَنِ الْعُيُونِ
كَانَ مُجَرَّدَ تَمْرِينٍ فَاشِلٍ
لِلْوُصُولِ إِلَى وَصْفِ عَيْنَيْهَا،
وَمَا زِلْتُ أَنَا أَيْضاً أَتَمَرَّنُ،
وَأَعْرِفُ أَنِّي سَأَفْشَلُ كَمَا فَشِلُوا،
لَكِنَّ الْفَشَلَ فِي وَصْفِ عَيْنَيْكِ
أَجْمَلُ مِنَ النَّجَاحِ فِي وَصْفِ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ.
بِقَلَمِ: د. فَيْصَلَ سَعُودِي — الْجَزَائِرُ
التسميات: نثر فصحى

<< الصفحة الرئيسية